اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تقريب فتاوى ابن تيمية

الإمام النووي
تقريب فتاوى ابن تيمية - المؤلف
(التفاضل عند الله فِي الْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ لا في الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ)
٥٥١ - إنَّ الشَّخْصَيْنِ قَد يَتَمَاثَلَانِ فِي الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ؛ بَل يَتَفَاضَلَانِ، وَيَكُونُ الْمَفْضُولُ فِيهَا أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ مِن الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ فِي الْإيمَانِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ (^١).
وَأَمَّا إذَا تَفَاضَلَا فِي إيمَانِ الْقُلُوب فَلَا يَكُونُ الْمَفْضُولُ فِيهَا أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ أَلْبَتَّةَ.
وَلهَذَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ، وَإِن كَانَ الْفَاضِلُ أَقَلَّ عَمَلًا مِن الْمَفْضُولِ؛ كَمَا فَضَّلَ اللهُ نَبِيَّنَا -ﷺ- -وَمُدَّةُ نُبُوَّتِهِ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً- عَلَى نُوحٍ وَقَد لَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وَفَضَّلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَقَد عَمِلُوا مِن صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ عَلَى مَن عَمِلَ مِن أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَعَلَى مَن عَمِلَ مِن صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ، فَأَعْطَى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَجْرَيْنِ، وَأَعْطَى كُلًّا مِن أُولَئِكَ أَجْرًا أَجْرًا؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي قُلُوبِهِم كَانَ أَكْمَلَ وَأفْضَلَ، وَكَانَ أُولَئِكَ أَكْثَرَ عَمَلًا، وَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ أَجْرًا، وَهُوَ فَضْلُهُ يُؤْتِيه مَن يَشَاءُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تَفَضَّلَ بِهَا عَلَيْهِم وَخَصَّهُم بِهَا.
وَهَكَذَا سَائِرُ مَن يُفَضِّلُهُ اللهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُفَضِّلُهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا التَّفْضِيلَ بِالْجَزَاءِ، كَمَا يَخُصُّ أَحَدَ الشَّخْصَيْنِ بِقُوَّةٍ يَنَالُ بِهَا الْعِلْمَ، وَبِقُوَّة يَنَالُ بِهَا الْيَقِينَ وَالصَّبْرَ وَالتَّوَكُّلَ وَالْإِخْلَاصَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُفَضِّلُهُ اللهُ بِهِ، وَإِنَّمَا
_________
(^١) فينبغي أن تكون نية الإنسان -وخاصة طالب العلم- مُنصبّةً على تقوية إيمانه وصدقه وإخلاصه وتوحيده، وتعلقه بخالقه، ولا ينبغي أن يكون اهتمامه بكثرة أعماله ومُحاضراته، والاهتمام بالتأليف والنظر في شؤون الآخرين، ويُهمل جانب الإيمان واليقين والتعلق بالله.
وعلى ما قرره شيخ الإسلام ﵀: قد يكون العالم أو طالب العلم الذي ليس عنده قدرات في الحفظ أو التأليف والدعوة، أفضل عند الله تعالى ممن برعوا في التأليف والأعمال الخيرية والدعوة والمناشط في القنوات وغيرها.
وصدق من قال: مَا سَبَقَهُم أَبُو بَكْرٍ بكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، وَلَكِنْ بشَيْءٍ وَقَرَ فِي قَلْبهِ.
فانظر إلى: ما وقر في قلبك، قبلَ أَن تنظر إلى كثرة أعمالك وعلومَك.
570
المجلد
العرض
64%
الصفحة
570
(تسللي: 564)