اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

المنافع في شرح الفقه النافع

لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
المنافع في شرح الفقه النافع - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات

كتاب الطهارات

ففرض الطهارة: غسل الأعضاء الثلاثةِ ومَسحُ الرَّأْسِ؛ لأنَّ مُحكَمَ الكتاب تناول غَسْل هذه الأعضاء الثلاثة بالأمر، فاقتضى الفَرْضِيَّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ففرضُ الطَّهارة الفاء للتفسير، والفرضُ بمعنى المفروض، والطهارة فيها الفروض والسُّنَنُ وغيرهما، فأضاف لذلك.
والفرضُ في اللغة: عبارة عن التقدير والقطع، قال الله تعالى: سُورَةُ أَنزَلْتَهَا وَفَرَضْنَهَا} [النور:، أي قدَّرناها وقطعنا الأحكام فيها قطعا، وفي الشرع: عبارة عن حكم مُقدَّر لا يحتمل زيادة ولا نقصانا، ثبت بدليل قطعي لا شُبهة فيه، وقد بينا تفسير الطهارة.
والغسل: هو الإسالة، والمسح: هو الإصابة، قال الشاعر:
فيا حسنها إذ يَعْسِلُ الدَّمعُ كُحلها ... وإذ هي تذري دمعها بالأنامل
ثم قيد الأعضاء بكونها ثلاثة، وهي أكثر من ثلاثة؛ فإن اليد تشتمل على أعضاء كثيرة، غير أن الأصل: أن الأشياء وإن كانت كثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد تجعل كالشيء الواحد، كما قال الله تعالى: يأيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: (67)، ومعلوم أن الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَلغ البعض قبل ورود الآية، وقد خاطبه بقوله: {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [الماشية: (7)، وما طريقه إلا أن الكل دخل تحت خطاب واحد، فصار كشيء واحد، فإذا دَخَلَ النَّقْصُ في بعضه فكأنه لم يفعل ذلك الأمر أصلا، هكذا أفاد الأستاذ ناقلا عن شيخه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وعلى هذا الأصل قال محمد رحمه الله في الزيادات»: إن الجمع بين غسل القدم والمسح على الخُفْ لا يجوز؛ لأن الرجلين في حكم وجوب الغسل كعضو واحد؛ لأن الله تعالى جمعهما في الأمر بالغسل.
ولذلك يجوز نقل البلة من عُضو إلى عُضو في الجنابة؛ لأن مجموع البدن في حكم شيء واحد؛ لدخوله تحت خطاب واحد، وهو قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا.
فإن قيل: ينبغي أن يجوز نقل البلة من اليد إلى اليد، ومن الرجل إلى الرجل ... في الوضوء.
قال الأستاذ رَحِمَهُ اللهُ: اليَدانِ والرّجلانِ شَيئان حقيقة، وشيء واحد حكما، فعملنا بالشبه الأول فيما ذكرت، وبالشَّبَه الثاني فيما ذكرنا، ولم تعمل على عكس هذا: لدلالة العادة؛ فإن العادة جارية في نقل البلة في الغسل دون الوضوء.
فإن قيل: ما الحكمة في غسل هذه الأعضاء؟
قيل: الحكمة في وجوب غسل هذه الأعضاء من وجوه ...
أحدها: أن الله تعالى لما أمرهم بالقيام إلى الصلاة التي هي مقام المناجاة ومحل القُرب .. أمرهم بتطهير هذه الأعضاء الظاهرة؛ ليُذكرهم تطهير باطنهم من الحقد والحسد، والكبر، وسوء الظَّنَّ بالمسلم، ونحوها.
والثاني: أمر بغسل هذه الأعضاء تكفيرًا لما ارتكبوا بهذه الحواس من الأجرام وقد وردت الأخبار في كون الوضوء مُكَفِّرًا للمَآثِم.
والثالث: أمر بغسل هذه الأعضاء: لأن العبد إذا توجه لخدمة مَلِكِه يَجِبُ أن يُجدِّدَ نظافته، وأيسرها تنقية الأطراف التي تنكشِفُ كَثيرًا، ومتى أبصرت نقية من الوسخ نظيفة من الدَّرَن .. قبلها القلب، واستحسنها العقل، والله تعالى شرع لنا دِينًا ذكر أنه فطرته التي فطر الناس عليها، فشرع ما استحسنوه في عقولهم، وارتضوه فيما بينهم.
قوله: لأن مُحكَمُ الكتاب اعلم أن الكتاب ينقسم إلى ثمانين قسما:
الخاص والعام، والمشترك والمُؤوَّلُ، والظاهرُ والنَّص، والمُفسَّرُ والمُحكم، والخفي والمشكل، والمُجمل والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والاستدلال بعبارة النص، وإشارته، ودلالته، واقتضائه.
وكلُّ قسم منها ينقسم إلى أربعة أقسام: مَعرِفةٌ مَعناه لُغَةٌ، وَمَعرِفَةُ مَعناه شَريعة، ومعرفة أحكامها، ومعرفة ترتيبها.
فالمُحكم: ما أُحكم مُراده عن احتمال النسخ والتبديل، هكذا ذكره المحققون رَحمهُمُ اللَّهُ، وهذا النَّص يحتمل النسخ والتبديل.
قال شيخنا رحمهُ اللهُ: يُحتمل أنه إنما ذكره لما أن الشرائع لا تحتمل النسخ بعد وَفَاةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وقيل: إن المحكم: ما لا يحتمل إلا وجها واحدًا، كذا ذكره في «الميزان» والظاهر أنه المراد.
فإن قيل: قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ يَحتمل المسح، وإليه ذَهَب الروافض، وبيان الاحتمال أن هذه الآية قُرئت بقراءتين بالنصب والجر، فمن قرأ بالجر فهو يعطفه على الرأس، وهو ممسوح، فكذا ما كان معطوفًا عليه.
وكذا القراءة بالنصب عطف على الرأس من حيث المحل؛ فإن الرأس محله من الإعراب النصب، وإنما صار مجرورًا لدخول حرف الجر فيه، وهو كقول القائل:
معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وقُرِئ: {يَجِبَالُ أَوْبِي مَعَهُ، وَالطَّيْنَ سبا: بالنصب والرفع.

قيل: القراءة بالنصب تنصيص على الأمر بالغسل؛ لأنه عطف على الأيدي، والعطف على المحل لا يجوز في موضع يُؤدِّي إلى الالتباس، إنما ذلك في موضع لا يؤدي إلى الاشتباه، كما في البيت.
والقراءة بالجر عطف على الأيدي أيضًا، وإنما صار مجرورًا بالمجاورة، كما قيل: جحر ضب خرب، أي خرب.
ولا يُقال: الإتباع بالمجاورة مع حرف العطف لم تتكلم به العرب.
لأنا نقول: الجر بحكم الجوار جائز مع حرف العطف أيضًا، قال الله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُخَلَّدُونَ} [الواقعة: (7)، إلى قوله: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الوَاقِعَة:] ولحم الطير مما لا يُطافُ به، وقال الفَرَزدَقُ:
فهل أنت إن ماتت أتانك راكب
إلى آل بسطام بن قيس فخاطب
ذكر فخاطب مجرورا؛ لمجاورة بسطام، وهو في محل الرفع.

ولأن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واظب عليه، وأمر من علمه الوضوء.
أو نقولُ: لَمَّا كان يحتمل ما ذكرنا ويحتمل ما ذَكَرتُم .. صار كالمُجمَل، فيَتَوقَّفُ على البيان، وقد روي أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوضَّأ وغَسَل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصَّلاةَ إلا به»، فيكون بيانًا لما في الآية.
وذكر في الكشاف»: أن الأرجل من بين الأعضاء الثلاثةِ تُغسَلُ بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسحولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.
وقيل: إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فجيء بالغاية: إماطة لظن ظان يَحْسِبُها ممسوحة؛ لأن
المسح لم تُضرب له غاية.

وهذا يُبطل قول من قال: إن قراءة النَّصبِ تُحمل على حالة التخفيف، وقراءة الجر على ما إذا كانتا باديتين.
وقوله: تناول هذه الأعضاء بالأمر قيد بـ الأمر، ولم يقتصر على قوله:
تناول: لأن بمجرد تَناوُلِ النَّص المُحكّم لا تثبتُ الفَرْضِيَّة؛ إذ غير الأمر من تصاريف الكلام لا يُوجِبُ الفَرْضيّة إلا إذا كان إخبارًا في معنى الأمر.
المجلد
العرض
0%
تسللي / 2059