المنافع في شرح الفقه النافع - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
كتاب الطهارات
قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... الآية المائدة:7].
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ... الآية.
اعلم أن المُصنِّفَ رَحمَهُ اللهُ ابتدأ بآية من كتاب الله تعالى: تبركا به، وإن كان من حق الدليل أن يكون مُؤخَّرًا عن المدلول في الإيراد، ولأن الأحكام إنما تُؤخَذُ من الأصول، فكانت الأحكام فرعًا لها، وكلُّ ترتيب أُوجِب طبعًا فيُوجَبُ وضعًا.
والأصول ثلاثة:
الكتاب، ويَتبَعُه شَريعة من قبلنا.
والسُّنَّةُ، ويَتَبَعُها الآثار.
والإجماع، ويَتَبَعُه تَعامُلُ النَّاسِ.
والقياس أصل رابع، ويتبعه التَّحري، واستصحاب الحال، كذا ذكره الإمام بدرُ الدِّينِ الكَرْدَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم نَشرَعُ في الآية، ففيها مَباحِثُ:
قال الأستاذ الكبيرُ رَحمَهُ اللهُ: يا حرف نداء، وأي: مُنادى مُفْرَد، و ها: مقحمة للتنبيه.
وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا صِفةٌ وتفسير لـ أي؛ لأنها مُبهمةٌ، ثم كَلِمَةٌ أي وإن كانت نكرة يُراد بها جزء ما يُضاف إليه .. لكنها وصفت بصفة عامة، فتعم، كسائر -النكرات في موضع الإثبات، وقد عُرف في موضعه.
إذا اسم للوقت، وهو ملازم للظرفية، بخلاف الوقت، وفيها معنى الشَّرط، ولذا دخل الفاء في جوابه.
و قُمْتُمْ مَعناه: أردتُم القيام؛ لأن إرادة الشَّيء سبب له وطريق إليه، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: ??، وكما ذكر محمد رحمه الله في «الجامع»: إذا صلَّى الرَّجُلُ: أي أراد الصَّلاةَ، وكقول النَّاسِ: إِذا دَخَلتَ على الأمير فتزين.
ثم قوله: {قُمْتُمْ مُخاطبة، وقوله: {آمَنُوا مُغايبة، وهذه الصنعة تُسمّى الالتفات في علمي المعاني والبيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، وقد جَمَع امرؤ القيس ثَلاثَ التفاتات في ثلاثة أبيات، قال:
تطاول ليلكَ بالأَثمد ... ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
ثم تَختَصُّ مَواقِعه بفوائد، ومما اختص به هذا الموضع أنه لو قال: آمنتم يختص بالذين كانوا حاضرين مؤمنين في عصر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَر بلفظ المغايبة ليدخل تحته كل من آمن إلى قيام الساعة، هكذا قال الشيخ الإمام شمس الأَئِمَّةِ الكَرْدَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
وقال أيضا: ذكر في باب الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ، وفي باب الجنابة: وإن كُنتُمْ: لأن إذا تدخل على أمر كائن أو منتظر لا محالة، كقوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كورت التكوير، و وَإِن تَدخُل على أمر معدوم على خطر الوجود، والقيام إلى الصلاة من الأمور اللازمة بالنظر إلى إسلامه، وأما الجنابة: من الأمور العارضة.
وبظاهر الآية استدل أصحاب الظواهر، وقالُوا: سَبَبُ وُجوبِ الطهارة القيام إلى الصلاة.
وهذا فاسد؛ لأن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى خمس صلوات بوضوء واحد فقال له عمر رض اللهُ عَنْهُ: رَأيتُك اليومَ تَفْعَلُ شيئًا لم تكن تفعله، فقال: «عمدًا فَعَلتُ؛ كيلا تحرجوا.
وقال أهل الطرد: سببه الحدث؛ لدورانه معه وجودًا وعدما.
وهذا فاسد؛ لأن السَّبَبَ ما يكونُ مُفضيًا إلى الشَّيء، والحدث رافع لها، فكيف يكون سببًا لها؟!
وعندنا: سبَبُ وُجوبِ الطَّهارة الصَّلاةُ؛ لأنها تُنسَبُ إليها وتقوم بها، وهي شرطها، فتعلق بها، حتى لم تجب قصدًا، لكن عند إرادة الصلاة، والحدث شرط بمنزلة سائر الشروط للصلاة.
وأما الجواب عن تعلق أصحاب الظواهر بالآية: فمذكور في «أصول الفقه» لفخر الإسلام البزدوي رحمه الله في أوائل القياس، فلتَطلب ثمة (3).
ثم ذكر المرافق بلفظ الجمع، والكعبين بلفظ التثنية: لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد، ولكل يد مرفق، فصحت المقابلة، ولو قيل:
إلى الكعاب لكان الواجِبُ غَسْلَ كل رجل إلى كعب واحد، فذكر بلفظ التثنية:
ليتناول الكعبين من كل رجل.
فإن قيل: ما ذَكَرتُم من المقابلة موجود في قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ،
فكان ينبغي أن تُغسل يد واحدة ورجل واحدة.
قال الأستاذ رَحمَهُ اللهُ:
يُحتمل أن يكون الجمع مُقابَلا بالفرد، كما هو مَذْهَبُ البعض، ويُحتمل أن يكون مقابلا بالجمع، كما هو مذهبنا، فاحتطنا وقلنا بوجوب غسل كل يد ورجل.
أو نقول: الأصل ما ذكرنا، ويجوز أن يُترك الأصل، كما في قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة: ?] بدليل خارجي، و، وقد دَلَّ الدَّليل هنا، وهو فعلُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجماعُ المُسلمين.
قوله: الآية بالرفع والنصب الرفع على معنى الآية بتمامها، والنصب على معنى: أتم الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ... الآية.
اعلم أن المُصنِّفَ رَحمَهُ اللهُ ابتدأ بآية من كتاب الله تعالى: تبركا به، وإن كان من حق الدليل أن يكون مُؤخَّرًا عن المدلول في الإيراد، ولأن الأحكام إنما تُؤخَذُ من الأصول، فكانت الأحكام فرعًا لها، وكلُّ ترتيب أُوجِب طبعًا فيُوجَبُ وضعًا.
والأصول ثلاثة:
الكتاب، ويَتبَعُه شَريعة من قبلنا.
والسُّنَّةُ، ويَتَبَعُها الآثار.
والإجماع، ويَتَبَعُه تَعامُلُ النَّاسِ.
والقياس أصل رابع، ويتبعه التَّحري، واستصحاب الحال، كذا ذكره الإمام بدرُ الدِّينِ الكَرْدَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم نَشرَعُ في الآية، ففيها مَباحِثُ:
قال الأستاذ الكبيرُ رَحمَهُ اللهُ: يا حرف نداء، وأي: مُنادى مُفْرَد، و ها: مقحمة للتنبيه.
وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا صِفةٌ وتفسير لـ أي؛ لأنها مُبهمةٌ، ثم كَلِمَةٌ أي وإن كانت نكرة يُراد بها جزء ما يُضاف إليه .. لكنها وصفت بصفة عامة، فتعم، كسائر -النكرات في موضع الإثبات، وقد عُرف في موضعه.
إذا اسم للوقت، وهو ملازم للظرفية، بخلاف الوقت، وفيها معنى الشَّرط، ولذا دخل الفاء في جوابه.
و قُمْتُمْ مَعناه: أردتُم القيام؛ لأن إرادة الشَّيء سبب له وطريق إليه، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: ??، وكما ذكر محمد رحمه الله في «الجامع»: إذا صلَّى الرَّجُلُ: أي أراد الصَّلاةَ، وكقول النَّاسِ: إِذا دَخَلتَ على الأمير فتزين.
ثم قوله: {قُمْتُمْ مُخاطبة، وقوله: {آمَنُوا مُغايبة، وهذه الصنعة تُسمّى الالتفات في علمي المعاني والبيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، وقد جَمَع امرؤ القيس ثَلاثَ التفاتات في ثلاثة أبيات، قال:
تطاول ليلكَ بالأَثمد ... ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
ثم تَختَصُّ مَواقِعه بفوائد، ومما اختص به هذا الموضع أنه لو قال: آمنتم يختص بالذين كانوا حاضرين مؤمنين في عصر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَر بلفظ المغايبة ليدخل تحته كل من آمن إلى قيام الساعة، هكذا قال الشيخ الإمام شمس الأَئِمَّةِ الكَرْدَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
وقال أيضا: ذكر في باب الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ، وفي باب الجنابة: وإن كُنتُمْ: لأن إذا تدخل على أمر كائن أو منتظر لا محالة، كقوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كورت التكوير، و وَإِن تَدخُل على أمر معدوم على خطر الوجود، والقيام إلى الصلاة من الأمور اللازمة بالنظر إلى إسلامه، وأما الجنابة: من الأمور العارضة.
وبظاهر الآية استدل أصحاب الظواهر، وقالُوا: سَبَبُ وُجوبِ الطهارة القيام إلى الصلاة.
وهذا فاسد؛ لأن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى خمس صلوات بوضوء واحد فقال له عمر رض اللهُ عَنْهُ: رَأيتُك اليومَ تَفْعَلُ شيئًا لم تكن تفعله، فقال: «عمدًا فَعَلتُ؛ كيلا تحرجوا.
وقال أهل الطرد: سببه الحدث؛ لدورانه معه وجودًا وعدما.
وهذا فاسد؛ لأن السَّبَبَ ما يكونُ مُفضيًا إلى الشَّيء، والحدث رافع لها، فكيف يكون سببًا لها؟!
وعندنا: سبَبُ وُجوبِ الطَّهارة الصَّلاةُ؛ لأنها تُنسَبُ إليها وتقوم بها، وهي شرطها، فتعلق بها، حتى لم تجب قصدًا، لكن عند إرادة الصلاة، والحدث شرط بمنزلة سائر الشروط للصلاة.
وأما الجواب عن تعلق أصحاب الظواهر بالآية: فمذكور في «أصول الفقه» لفخر الإسلام البزدوي رحمه الله في أوائل القياس، فلتَطلب ثمة (3).
ثم ذكر المرافق بلفظ الجمع، والكعبين بلفظ التثنية: لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد، ولكل يد مرفق، فصحت المقابلة، ولو قيل:
إلى الكعاب لكان الواجِبُ غَسْلَ كل رجل إلى كعب واحد، فذكر بلفظ التثنية:
ليتناول الكعبين من كل رجل.
فإن قيل: ما ذَكَرتُم من المقابلة موجود في قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ،
فكان ينبغي أن تُغسل يد واحدة ورجل واحدة.
قال الأستاذ رَحمَهُ اللهُ:
يُحتمل أن يكون الجمع مُقابَلا بالفرد، كما هو مَذْهَبُ البعض، ويُحتمل أن يكون مقابلا بالجمع، كما هو مذهبنا، فاحتطنا وقلنا بوجوب غسل كل يد ورجل.
أو نقول: الأصل ما ذكرنا، ويجوز أن يُترك الأصل، كما في قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة: ?] بدليل خارجي، و، وقد دَلَّ الدَّليل هنا، وهو فعلُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجماعُ المُسلمين.
قوله: الآية بالرفع والنصب الرفع على معنى الآية بتمامها، والنصب على معنى: أتم الآية.