المنافع في شرح الفقه النافع - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
المجلد 1
إخواني رحمكم الله وأبقاكُم، ونصركم وبصَّرَكُم وآوَاكُم، سألتموني أن أصوغ لكم في الفقه كتابًا نافعًا، ولما يُحتاج إليه في الحوادث جامعًا، وللأحكام كافيا، وفي الإحكام هاديًا، مسائله للإيقان بها شفاء، ودلائله للإتقان 0 فيها ضياء مُقتَصِرًا على المُفتقر إليها، وبدقائقها حاليا، وعن الشَّواذ والعويصة التي يقلُّ إليها الافتقار، ويذهب دون تحصيلها الأعمار .. خاليًا، فإِنَّها تَشْغَلُ عُمُرَ المَرءِ عن المقاصد، وتُعرِّضه للتقاعد والمفاسد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: إخواني أراد: يا إخواني، كقوله تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا يُوسُف: (9) أي يا يوسف، وكقول الداعي: رَبَّنا، ويَجوزُ حذف حرفِ النَّداءِ إِذا كان المُنادَى عَلَمًا أو مضافًا، كما عُرف في كتب النحو.
والأخوة تحتمل أُخُوّةَ النَّسَب، كما قال الله تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةٌ يُوسُفَ يُوسُف: (8). وأخوّةَ الجَوهَرِ، كما قال الله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [الأَعْرَاف: (6)].
وأُخُوةَ الدِّينِ، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحُجُرَات: (0)].
وأخوة المحبة والمَوَدَّةِ، كما رُوي أن رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بين أصحابه، فجاء علي رَضَ اللَّهُ عَنْهُ تَدمَعُ عيناه فقال: أخيت بين أصحابك، ولم تُؤاخ بيني وبين أحد! فقال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنت أخي في الدنيا والآخرة والمراد: هذه الأخوة دون الوجوه الأخر.
قوله: رحمكم الله وأبقاكم هذا دُعاءُ ذُكر بلفظ الماضي، وأريد به الاستقبال في العرف، واختير الماضي: لأنه أدل على الثبوت والتحقق، وإنما حملناه على هذا: لئلا يلزم نقض الغرض، إذ الغرض منه الدُّعاء له لا عليه، تأمل تدر.
تقول: سألتُ الرغيف: إذا طلبت منه 0 أن يُعطيه، وسألت عن الرغيف: إذا
سألت عن وجوده هل هو موجود أم لا، أو عن حاله ...
قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء: (8)، يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة: (7)، وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ البَقَرَةِ: (89)، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} البقرة: (86)]، وقال الله تعالى: {وَسْتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [النِّسَاء: (3)، وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حجاب الأحزاب: (3)، لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ الحاقا} البقرة: (73)، وقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سأل الناس وعنده ما يُغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خُموشا.
وقال الشاعر:
سألتها الوصل، فقالت: مض
وأريد به ههنا المعنى الأول.
ثم جعل جمعه وتأليفه كالصوغ، ومجموعه بمنزلة المصوغ: تمثيلا وتشبيها؛
لأن الذَّهَبَ أَعَزُّ الأشياء عند أرباب الظواهر، والعِلم أعزُّ عند الحكيم من الكبريت
الأحمر والزُّمُردِ الأخضر.
قيل: الفقه: العلم بباطن الشَّيء بضرب تكلُّف، وقيل: هو الوقوف على المعنى الخفي الذي تعلق به حكم يُحتاج فيه إلى النظر والاستدلال، وقيل: معرفة أوصاف أفعال المكلفين.
قوله: ولما يُحتاج إليه أي لمعظم ما يحتاج إليه؛ لأنا نعلم أنه ليس بجامع
للجميع.
والحاجة نقص يرتفع بالمطلوب وينجبر به معناه: وجامعا: لما يُفتقر إليه.
قوله: وللأحكام كافيًا بفتح الهمزة، جمع حكم، وهو: الأثر الثابت بالشيء.
وأحكام الشرع: الآثار التي تثبت به من الجواز والفساد، والحل والحرمة، والوجوب والفرض، وغير ذلك.
قوله: وفي الإحكام هاديًا بكسر الهمزة، والإحكام الإتقان، والمراد منه:
الدلائل؛ لأن الإتقان إنما يحصل بالدلائل.
وقد قيل: الأول بالكسر، والثاني بالفتح، وليس كذلك؛ ألا ترى إلى قوله:
كافيا؛ إذ هو تقرير لقوله: جامعا في الحوادث، وألا ترى إلى قوله: هاديًا؛ فإن الهداية إنما تحصل من الدلائل، لا من الأجوبة فحسب، ولهذا يُقال في الدُّعاء: يا دليل المتحيرين أي: هاديهم إلى ما تزول به حيرتهم.
ولأن الأحكام قبل الدلائل تكون، وأنى يستقيم هذا مع قوله: مَسائله للإيقان بها شفاء، ودلائله للإتقان فيها ضياء، وهاتان جملتان معترضتان لتحقيق ما سبق.
اليقين: من يقن الماء في الحوض: إذا استقر، وهو: العلم الذي لا يحتمل أن يتخالَجَه شكٍّ أو يعتريه وَهُمُ.
قوله: شفاء أي من مرض الجهل والشَّك، قال الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [البقرة:، أي شك ونفاقٌ، جَعَل الجهل داء، والعلم شفاء؛ لأن المرض مرضان:
مرضُ البدن، ومرضُ القلب، والثاني أقوى من الآخر عند أرباب المكاشفات وأصحاب المجاهدات؛ لأن الأَوَّلَ سَبَبُ هَلاكِ البدن وضعفه، والثاني سبَبُ هلاك الروح ونقصه.
على أن الضعف عندهم ليس إلا هذا؛ ألا ترى إلى قول أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حبَّذا المكروهات الثلاث: المرضُ، والموت، والفقر. كما أن عند أرباب
النفوس: ليس المرضُ إِلا مَرَضَ البَدَنِ!
ثم بالغ فيه حيث جعل نفس المسائل شفاء، كما قيل: أبو حنيفة فقه.
الدليل: فعيل بمعنى فاعل، وهو في الشرع: اسم الحجة منطق.
أضاف الضياء إلى الدلائل، والشَّفاء إلى المسائل: لأن الشفاء من الجهل يحصل بجواب الواقعة، والضياء يحصل بمعرفة الدلائل.
ثم وصفه بالضّياء دون النُّور: لما أنه أقوى من النُّور، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءَ وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس:، ونور القمر من نور الشَّمس.
اقتصر عليه: أي لم يجاوزه.
قوله: على المفتقر إليها الضمير يرجع إلى المسائل، ومعناه: مقتصرا على المسائل المفتقر إليها، على حذف الموصوف.
قوله: حاليا بدقائقها أي متزينا بدقائقها.
الشواذ: جمع الشَّاذَّةِ، وهي النادرة، والعويصة: الملتوية الصعبة، من اعتاص عليه الأمر: إذا اشتدَّ، وأشار شيخنا رَحمَهُ اللهُ إلى مسائل «الجامع الكبير».
دون تحصيلها: أي لأجل تحصيلها، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قاتل دون مالك»، أي لأجل مالك.
قوله: خاليا صفة الكتاب، كقوله: حاليا، مقتصرًا، هاديا، كافيا،
جامعا، نافعًا.
شغل عنه: أعرض عنه، وشغل به: أقبل عليه.
حكي أن واحدًا سَلَّم على حبيبه، فلم يَرُدَّ الحَبيبُ جَوابَه - كما هو شرط المحبة -، وكتب إلى المسلم اعتذارًا وقال:
فَشُغلت عن رد السلا ... م وكان شغلي عنك بك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: إخواني أراد: يا إخواني، كقوله تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا يُوسُف: (9) أي يا يوسف، وكقول الداعي: رَبَّنا، ويَجوزُ حذف حرفِ النَّداءِ إِذا كان المُنادَى عَلَمًا أو مضافًا، كما عُرف في كتب النحو.
والأخوة تحتمل أُخُوّةَ النَّسَب، كما قال الله تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةٌ يُوسُفَ يُوسُف: (8). وأخوّةَ الجَوهَرِ، كما قال الله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [الأَعْرَاف: (6)].
وأُخُوةَ الدِّينِ، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحُجُرَات: (0)].
وأخوة المحبة والمَوَدَّةِ، كما رُوي أن رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بين أصحابه، فجاء علي رَضَ اللَّهُ عَنْهُ تَدمَعُ عيناه فقال: أخيت بين أصحابك، ولم تُؤاخ بيني وبين أحد! فقال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنت أخي في الدنيا والآخرة والمراد: هذه الأخوة دون الوجوه الأخر.
قوله: رحمكم الله وأبقاكم هذا دُعاءُ ذُكر بلفظ الماضي، وأريد به الاستقبال في العرف، واختير الماضي: لأنه أدل على الثبوت والتحقق، وإنما حملناه على هذا: لئلا يلزم نقض الغرض، إذ الغرض منه الدُّعاء له لا عليه، تأمل تدر.
تقول: سألتُ الرغيف: إذا طلبت منه 0 أن يُعطيه، وسألت عن الرغيف: إذا
سألت عن وجوده هل هو موجود أم لا، أو عن حاله ...
قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء: (8)، يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة: (7)، وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ البَقَرَةِ: (89)، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} البقرة: (86)]، وقال الله تعالى: {وَسْتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [النِّسَاء: (3)، وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حجاب الأحزاب: (3)، لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ الحاقا} البقرة: (73)، وقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سأل الناس وعنده ما يُغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خُموشا.
وقال الشاعر:
سألتها الوصل، فقالت: مض
وأريد به ههنا المعنى الأول.
ثم جعل جمعه وتأليفه كالصوغ، ومجموعه بمنزلة المصوغ: تمثيلا وتشبيها؛
لأن الذَّهَبَ أَعَزُّ الأشياء عند أرباب الظواهر، والعِلم أعزُّ عند الحكيم من الكبريت
الأحمر والزُّمُردِ الأخضر.
قيل: الفقه: العلم بباطن الشَّيء بضرب تكلُّف، وقيل: هو الوقوف على المعنى الخفي الذي تعلق به حكم يُحتاج فيه إلى النظر والاستدلال، وقيل: معرفة أوصاف أفعال المكلفين.
قوله: ولما يُحتاج إليه أي لمعظم ما يحتاج إليه؛ لأنا نعلم أنه ليس بجامع
للجميع.
والحاجة نقص يرتفع بالمطلوب وينجبر به معناه: وجامعا: لما يُفتقر إليه.
قوله: وللأحكام كافيًا بفتح الهمزة، جمع حكم، وهو: الأثر الثابت بالشيء.
وأحكام الشرع: الآثار التي تثبت به من الجواز والفساد، والحل والحرمة، والوجوب والفرض، وغير ذلك.
قوله: وفي الإحكام هاديًا بكسر الهمزة، والإحكام الإتقان، والمراد منه:
الدلائل؛ لأن الإتقان إنما يحصل بالدلائل.
وقد قيل: الأول بالكسر، والثاني بالفتح، وليس كذلك؛ ألا ترى إلى قوله:
كافيا؛ إذ هو تقرير لقوله: جامعا في الحوادث، وألا ترى إلى قوله: هاديًا؛ فإن الهداية إنما تحصل من الدلائل، لا من الأجوبة فحسب، ولهذا يُقال في الدُّعاء: يا دليل المتحيرين أي: هاديهم إلى ما تزول به حيرتهم.
ولأن الأحكام قبل الدلائل تكون، وأنى يستقيم هذا مع قوله: مَسائله للإيقان بها شفاء، ودلائله للإتقان فيها ضياء، وهاتان جملتان معترضتان لتحقيق ما سبق.
اليقين: من يقن الماء في الحوض: إذا استقر، وهو: العلم الذي لا يحتمل أن يتخالَجَه شكٍّ أو يعتريه وَهُمُ.
قوله: شفاء أي من مرض الجهل والشَّك، قال الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [البقرة:، أي شك ونفاقٌ، جَعَل الجهل داء، والعلم شفاء؛ لأن المرض مرضان:
مرضُ البدن، ومرضُ القلب، والثاني أقوى من الآخر عند أرباب المكاشفات وأصحاب المجاهدات؛ لأن الأَوَّلَ سَبَبُ هَلاكِ البدن وضعفه، والثاني سبَبُ هلاك الروح ونقصه.
على أن الضعف عندهم ليس إلا هذا؛ ألا ترى إلى قول أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حبَّذا المكروهات الثلاث: المرضُ، والموت، والفقر. كما أن عند أرباب
النفوس: ليس المرضُ إِلا مَرَضَ البَدَنِ!
ثم بالغ فيه حيث جعل نفس المسائل شفاء، كما قيل: أبو حنيفة فقه.
الدليل: فعيل بمعنى فاعل، وهو في الشرع: اسم الحجة منطق.
أضاف الضياء إلى الدلائل، والشَّفاء إلى المسائل: لأن الشفاء من الجهل يحصل بجواب الواقعة، والضياء يحصل بمعرفة الدلائل.
ثم وصفه بالضّياء دون النُّور: لما أنه أقوى من النُّور، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءَ وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس:، ونور القمر من نور الشَّمس.
اقتصر عليه: أي لم يجاوزه.
قوله: على المفتقر إليها الضمير يرجع إلى المسائل، ومعناه: مقتصرا على المسائل المفتقر إليها، على حذف الموصوف.
قوله: حاليا بدقائقها أي متزينا بدقائقها.
الشواذ: جمع الشَّاذَّةِ، وهي النادرة، والعويصة: الملتوية الصعبة، من اعتاص عليه الأمر: إذا اشتدَّ، وأشار شيخنا رَحمَهُ اللهُ إلى مسائل «الجامع الكبير».
دون تحصيلها: أي لأجل تحصيلها، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قاتل دون مالك»، أي لأجل مالك.
قوله: خاليا صفة الكتاب، كقوله: حاليا، مقتصرًا، هاديا، كافيا،
جامعا، نافعًا.
شغل عنه: أعرض عنه، وشغل به: أقبل عليه.
حكي أن واحدًا سَلَّم على حبيبه، فلم يَرُدَّ الحَبيبُ جَوابَه - كما هو شرط المحبة -، وكتب إلى المسلم اعتذارًا وقال:
فَشُغلت عن رد السلا ... م وكان شغلي عنك بك