اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

المنافع في شرح الفقه النافع

لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
المنافع في شرح الفقه النافع - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات

المجلد 1

شرح مقدمة الماتن
بسم اللهِ الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ
رب سهل وتمم
الحمد لله رب العالمين حمدًا أَمَدُه الأبد، وعدده أن لا يُحصيه العَدَدُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على الرسول النبي الهاشمي محمد، وعلى آله وأصحابه بعدد من قام وقعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال السَّيِّدُ الإمامُ الأجَلُّ، ناصِرُ الدِّينِ، وارث الأنبياء والمرسلين، رئيس أهل السنة، جمال العترة، أبو القاسم بن يوسف الحَسَنِيُّ المَدَنِيُّ، سَقى الله ثراه، وطيب مثواه، وبوأه صدر دار السلام، كما جَعَله صدر الأئمة في دار الإسلام:
الحمد الله رب العالمينَ حَمدًا أَمَدُه الأبد.
الحمد: الوصف بالجميل على جهة التفضيل، وهو يقتضي سابقة الإنعام؛ لأنه ثناء بعد الإحسان، بخلاف المدح؛ فإنه قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده.
فاختار الحمد دون المدح: لأن الثناء الذي يتصوَّرُ مِنَّا يكون بعد الإحسان لا محالة؛ لأن كل ثناء يحتاج إلى توفيق، وهو نعمة.
ثم حلاه بالألف واللام - وهما للاستغراق: لأن جميع النعم من الله تعالى، سواء اتصل إلينا منه بواسطة أو بغير واسطة، قال الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: (3).
وعند المعتزلة 0: الألف واللام فيه للتعظيم. وهذا بناءً على مسألة خلق الأفعال، ووجه البناء: أن الأفاعيل التي تصدر من العباد على طريق الاختيار لما كانت مخلوقة لهم عندهم .. فهم يستحقون الحمد بصنيعهم، وعندنا: لا صنع للعبد فيها سوى الكسب، والخَلقُ مُضاف إلى الله تعالى، فكان هو المستحق للحمد دون العبد.
وأما قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: من لم يشكر الناس لم يشكر الله .. فنقول: شُكر
الناس راجع إلى خالق الناس.
ولأن الكلام في الحمد، والشكر غير الحمد؛ فإن الحمد يكون على النعمة وعلى غيرها، والشكر يكون على النعمة خاصة، وهو بالقلب واللسان والجوارح، قال الشاعر ه:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي، ولساني، والضمير المُحجبا
والحمد باللسان خاصة، فهو إحدى شُعَبِ الشكر، ولهذا قال النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده» ?.

ولأن ضدَّ الحمد الدم، وضِدَّ الشَّكرِ الكُفْرُ.
....... ... وبضدها تتبين الأشياء
وقال: الحمد لله، ولم يقل: الحمد للعالم وللخالق: لأنه اسم ذات فيستجمع جميع صفات الكمال، ويكون جميع الحمد بإزاء جميع ما يُستحق به الحمد، ولا كذلك الخالق والعالم؛ فإنه لا يَدلُّ إلا على العلم والخلق.
وأما الله .. فقيل: هو المعبود بالحق، وقيل: ذات موصوف بصفات الكمال منزه عن النقيصة والزوال.
ثم قيل: إنه مشتق من أله: إذا تحيّر؛ وذلك لأن الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهَشُ الفِطَنُ، ولذلك كثر الضَّلال، وفشا الباطل، وقَلَّ النَّظَرُ الصَّحِيحُ.
وقيل: إنه غير مشتق، وهو اختيار أبي حنيفة رحمة الله والخليل.
والرَّبُّ: المالك، ومنه قول صفوان لأبي سفيانَ: لَأَنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ من قُرَيْشٍ خير من أن يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ.

ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة، كما وصف بالعدل.
ولم يُطلقوا الرَّبَّ إلا في الله وحده، وهو في غيره على التقييد بالإضافة، كقولهم:
رب الدار.
قيل: العالم: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وقال المتكلمون: العالم:
اسم لكل موجود سوى الله تعالى.
وهو في الأصل عَلَم، كالخاتم، زيدت الألف للإشباع.
فإن قيل: إذا كان اسما لجميع المخلوقات فلِمَ ذَكَر العالمين؟
قيل: العالم إذا كان مُعرَّفًا بالألف واللام فهو اسم للجميع، فأما عالم قاسم
لكل فرد، و العالمين: جمع عالم مُنكَرٍ.
فالحاصل أنه جمع المُنكَرِ، وأُدخل الألف واللام على الجمع.

فإن قيل: الجمع السالم مخصوص بصفات العقلاء.
قيل: ساغ ذلك: لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم.
قوله: حَمْدًا مَصدَرٌ انتصب بالفعل الذي يَدلُّ عليه: الحمد الله.
قوله: أمده الأبد الأمد الغاية، والأبد: مشتق من الأبود، وهو النفورُ، سُمِّي الأبد أبدا: لأن عقول جَميعِ النَّاسِ تَنفِرُ عن دركه.

والمعنى: أنه وصف الحمد بالكثرة بحيث لا غاية له، وهذا كقول المتنبي:
لم أجر غاية فكري منك في صفة
إلا وَجَدتُ مداها غاية الأبد
يقول: لم أتفكر في صفة من صفاتك إلا وجدت غايتها لا تنتهي.
وهذا لأن الحمد إنما وجب على العباد بواسطة النعمة، وهي لا تنتهي؛ لأنهم لا يقدرون على حمده إلا بتوفيق منه، وهو نعمة تستدعي حمدًا آخر إلى ما لا نهاية
له، ولأن الجَنَّةَ نِعمة، وهي باقية لا تفنى أبدا، وعن هذا قال بعضهم ?:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يَجِبُ الشَّكرُ
فكيف بلوغي الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتَّصل العُمْرُ

فعلى هذا لا يقدر العبد على شكر نعمة على التمام؛ لما ذكرنا أن النعم
لا تنتهي، لكنَّ الله تعالى جَعَل الأفعال الواجبة على العبد شكرًا لنعمه 0 بفضله وكرمه لأنه كريم، والكريم من يستقِلُّ الكَثير، ويستكثر القليل، يعني: يُعطي الكثير ويستقله، ويقبلُ القَليل ويستكثره، ولهذا سمّى الجنّة التي عرضها كعرض السموات والأرض: نُزُلًا، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكَهْف: ??] ?.
واستكثر القليل، فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ: التكبيرة الأولى خير من الدنيا وما فيها» ?.

ثم إذا فرط في أداء الصَّلاةِ بالمخادعات الشَّيطانية، والمُجاذِّباتِ الشَّهوانية، ثم ندم على صنيعه في آخر عُمُرِه، واشتغل بتلافي ما فرط - من التفريط -، وأوصى
بالفدية: فإنه يجوز الفداء من كل فرض نصف صاع من بر، تأمل تَفقَه.
قوله: وعدده أن لا يُحصيه العدد.
العد: أن تعدَّ فردا فردا.
والإحصاء: يكون للجمل، فقال: أحمد الله لا يُمكن إحصاؤه، فضلا عن
أن يُعَدَّ؛ وذلك لأن الحمد إنما يكون على النعم، وهي متصفة بهذه الصفة، قال الله عدها فلا تقدروا على إحصائها، فضلا عن العد.
تعالى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: (8)، معناه - والله أعلم: إن أردتم
الصَّلاةُ من الله تعالى: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن العبد: الدعاء، كذا ذكره الإمامُ خُواهَرْ زادَه رَحِمَهُ اللهُ.
والسلام: هي السلامة عن الآفات، وسميت الجنة دار السلام لهذا، وسُمِّي الله تعالى به: لتنزهه عن النقائص والرذائل.
النبي: إما من النبأ: الخبر، أو من النبوة: الرفعة، فإن كان من الأول يكونُ فَعِيلا
بمعنى مفعل، يعني مُنبِئُ الأخبار والغيوب.
وقيل: من الجائز أن يكون منهما؛ لعدم التنافي، كما قيل في الإنسان: إنه من
آنس: إذا أبصر، ومن الأنس.
الهاشمي: منسوب إلى هاشم بن عبد مناف، والهشم الكسر، سُمِّي ها شما:
لأنه كان يكسر الشَّرِيد أَيَّامَ الجَدْب قال الشاعر:
عمرو العُلا هَشَم الشَّرِيدَ المَعشَر
ورجالُ مَكَّةَ مُسنتون عجاف
ومحمد: عطف بيان معناه: البليغ في كونه محمودا؛ إذ التفعيل للمبالغة، قال حسان 0
....... ... فذو العرش محمود، وهذا محمد
الآل في الأصل: الأهل، ولهذا قيل في تصغيره: أهيل، إلا أنه قد خُصَّ بالأشراف، فلا يقال: آل الحائكِ، وقيل: آل فرعون: لتصوره بصورة الأشراف.
وآله من جهة النسب: أولاد علي، وعباس، وجعفر، وعقيل، وحارث بن عبد المُطَّلِبِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومن جهة السَّبَب - وهو الدِّينُ: كلُّ مُؤْمِنٍ، أو: كُلُّ مُؤْمِنٍ تقي، على اختلاف الروايتين.
والظاهر أنه أراد به من جهة الدين؛ لأن آل الأنبياء مُتَّبعوهم، قال الله تعالى في وَلَد نُوحٍ: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: (6)].
وأصحابه: أي المهاجرين والأنصار الذين صحبوه في تتبع آثاره وتفقد أموره؛ ليكون به حياتها وبقاؤها إلى منتهى أجله، ليس من لقيه في المرات، كذا ذكره الشيخ الإمام أبو منصور رحمه الله.
ثم الصلاة على غير النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ جائزة، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ} [الأحزاب: (3) وقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهمَّ صَلِّ على آل أبي أوفى».
وهذا محمول على سبيل التَّبع له، أما إذا أفرد: فلا ينبغي أن يقول؛ لئلا يتهم بالرفض، وقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التَّهَم.
المجلد
العرض
0%
تسللي / 2059