مقاصد الشريعة عند السادة الحنفية - صلاح أبو الحاج
المقدمة
الرَّبانية: كأصول البناء للمسائل، ووسائل متعلِّقة بالغايات: كالكليات الخمسة.
وطُبع هذا البحث في آخر كتاب «إسعاد المفتي على شرح عقود رسم المفتي»، من أجل تدريسه في مرحلة البكالوريوس في كلية الفقه الحنفي.
وفي مرحلةِ الماجستير يوجد مساقٌ خاصٌّ بالمقاصد الشرعية، مما اقتضى أن نتوسَّعَ في الطَّرح فيما يتعلَّق بالمقاصد، بما يفي الغرض ويحقِّق المقصود، كما ظهر عند تدريس المادة، حيث طُرحت أفكار متعددة، وبدت أمور مختلفة، فكان لا بدّ من تقييدها لضبطها وفهمها.
فاستعنتُ بالله - عز وجل - للإعانةِ في تسهيل الأمر وتيسيره؛ للكتابة في الموضوع بما يُغني ويُشفي؛ لأنّ موضوعَ المقاصد غريبٌ في طرحه المعاصر عمّا عهدناه في كتب فقهائنا، والكلام فيه متباين تماماً بين المعاصرين والسَّابقين.
بل إنّه بهذه الكيفية غير معروف أبداً عند أئمتنا، ويكاد أن يكون أوَّل مَن عرضه بهذه الصورة هو الطَّاهر ابنُ عاشور (¬1)، ثمّ توالت الكتابات فيه بعده بما لا يحصى.
¬__________
(¬1) مآخذ على مقاصد ابن عاشور كتبتها الباحثة النجيبة ميساء الأمير:
إن البحث في علم المقاصد الإسلامية عند ابن عاشور متصل اتصالاً وثيقاً ببحث آخر له خطورة بالغة، وهو البحثُ في النِّظام الاجتماع الإسلامي، أو ما يُعرف بنظام الأمّة الاجتماعي.
ويرى ابن عاشور أن المشتغل بهذا البحث أحوج إلى قواعد أوسع من قواعد أهل أصول الفقه، فقرَّر أن يصحب معه علم المقاصد ظناً منه أنّه نجاةٌ للأمة وحفاظاً عليها من التَّشتت والضَّياع، إلا أنّه لم يصب، بل حاد وابتعد، وقمتُ بدراسة سريعة لكتابه: «مقاصد الشَّريعة الإسلامية»، مبيِّناً بعض المآخذ عليها، وجعلتها على محورين:
المحورالأول: التَّاريخ والمقاصد عند ابن عاشور:
1.رؤية ابن عاشور في المقاصد رؤية إصلاحية أدخلها في كلّ العلوم الإصلاحية والاجتماعية والدينية، مما جعلها رؤية عامّة عارية عن الفكر العميق والمنهج الدقيق بالبحث والتحقيق، فاعتراها الضعف والوهن، فعري البعد الديني من المقصد عنده.
2.الفكر المقاصدي عند ابن عاشور وليد الاستبداد والظلم الواقع على بلاده، فكان يجد الملاذ والحلّ لإنهاء أزمة البلاد فيها، وهذا متمثل بقوله: «والمقصد من الكون والتشريع ـ الحرية والفطرة والمساواة ـ، فكانت المقاصد تلك من الطُّرق المتاحة أمامه حينذاك.
3.تأثر ابن عاشور بالفكر التاريخي الغربي وخصوصاً الفرنسي، وبالكتب التّاريخية واللغة ومشى على خطاها، فلم ينقل عن علماء المذاهب، بل درس كتاب «المقدمة» لابن خلدون والنظام
للشيخ محمد جعيط وأمثالهم من علماء التاريخ، فمشى على خطاهم بالفكر والتَّفكير.
ويرد عليه: أنّ علم المقاصد الشَّرعيّة علم دينيّ بحت، يتناول مقاصد الشّارع من الأحكام الشرعية، شاملاً معها الوسائل إليها، وهذا العلم تدارسه أهل الاختصاص من أصحاب المذاهب، ومَن بعدهم ممَّن تبعهم، وقد بذلوا قصارى جهدهم لخدمة هذا الدين وبيان مقاصده وإن لم تكن كلمة المقاصد موجودةً بلفظها، إلا أنّها كانت تُراعى بعللها وفروعها، فعلى مَن يريد إخراجها أن يرجع لكلام الفقهاء.
المحور الثاني: الفقه ونظرية المقاصد عند ابن عاشور:
1.علم المقاصد عند ابن عاشور ما هو إلا بديل عن قصور الأمة وتراجعها؛ لاتباعها ما كان عليه الأقدمون من العلماء، قاصداً أئمتنا أصحاب المذاهب، فيعلق في كتابه المقاصد: «وأصبحنا نتابع ما وجدناه غير شاعرين ألحسن اتبعناه أم لقبح نبذناه»، وهذا محل نظر.
2.لم ينظر ابنُ عاشور إلى التَّغيرات الدِّينية المتمثلة بتبدل الأعراف عند إنشاء علمه المقاصدي، بل جعله منسوباً إلى التَّغيرات الحاصلة في الأوضاع الاجتماعية والحضارية التي تتبدل وتتغير بتبدل الأزمان والأشخاص، وجعلها الحاكم بعلمه والمرجع بذلك.
ويرد عليه: أنه لم تكن مقاصده علماً راسخاً وثابتاً يُركن إليه، بل متقلباً بتقلب الأوضاع والبلاد، بخلاف الأعراف، فإن لها ضوابطها التي يحتكم اليها، وهي معتبرة بإجماع الفقهاء.
3. رؤية ابن عاشور أن علم المقاصد، يوجد المذاهب الفقهية، ويقلل الخلاف، معللاً أنّ بناء الأحكام على مقاصدها أقرب وأصوب من بنائها على الأوصاف والعلل، ويحتجّ أنّ الخلاف القائم بين المذاهب جعل التآليف مختلطة، والتَّعليم نحوها، فتوارثت العقول ذلك الاختلال واعتادت التشتت.
ويرد عليه: أنّ خلافات الفقهاء الأجلاء رحمة بالأمة، وتيسيرٌ للعمل وتطبيقٌ للأحكام، وقبول لقول الآخر، وإيجاد حلول متنوعةً لقضايا الأفراد والجماعات، وإيجاد ثروة فقهية علمية لا مثيل له، فالاختلاف من أعظم أسرار هذا التَّشريع ومرونته وقابليته للاستمرار.
4.جعل ابنُ عاشور في علمه المقاصدي أنّ طريقَه الاجتهاد المطلق والاستنباط من القرآن والسُّنة، فيكون ما يستبنطه بهذه المقاصد أساساً للتَّخريج، وبناء الأحكام الشَّرعية؛ لتكون نبراساً للمتفقهين في الدِّين، ومرجعاً بينهم عند اختلاف الأنظار، وتبدل الأمصار.
ويرد عليه: أنّ هذا لا يستقيم ولا تقبله الأذهان السَّليمة؛ لعدم استقامة الأفهام وتبدّلها
وتناقضها لاختلاف الأشخاص، وبهذا يكون للنَّصِّ الواحد مقاصد بعدد الفاهمين كلّ بعلمه لا يستطيع أحدٌ أن يُنكر على غيره، ولا يستقل برأيه، وهذا يدخلنا بحلقة مفرغة لا نكاد نخرج منها بحكم شرعي على اليقين.
5.جعل ابنُ عاشور الحلّ الأمثل للحوادث والنَّوازل والمصالح الطارئة العلم المقاصدي، وكأنّما كان تأليفه للمقاصد استجابةً وتلبيةً للواقع ومستجداته، متجاوزاً بهذا الاختلافات في المسائل الشَّرعية وشذرات العلل فيها.
ونقل عن محمد جعيط المالكي، وقد أصدر كتابه قبل ابن عاشور مصرحاً: «ذلك أني لم أعثر في هذه الثروة العلمية، مع غزارة مادتها، وكثرة أنواعها، ووفرة عددها، على ديوان يجمع في مطاويه المقاصد الشرعية، ويفصح عن أسرار التشريع».
ويرد عليه: كيف لنا ونحن نملك العلم الوفير من قواعد وتأصيلات اجتهدها أئمتنا، مستخلصة من الفروع والمسائل، والبحث بالأوصاف والعلل والقياس وغيره، أن لا نجد حلاً للنَّوازل وأمثالها، بل كانت هي التَّرتيب على ما سبقها من المسائل؛ لوجود التَّرتيب والتّهذيب الذي بين أيدينا للقواعد والأصول، فيكون الأمر بالترتيب لا التنقيب.
6.يعلق ابن عاشور على الفقه وأصوله والعمل بمسائله: أنه علمٌ ظنيٌّ لا يكاد يصل إلى القطع في فهم المسائل الشرعية ومسالك الاستدلال عليها، بل إنّ معظم مسائل الدين كما يُقرِّر في كتابه المقاصد لا ترجع الى حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع.
ويرد عليه: أن هذا دعوة صريحة وقوية إلى مراجعة مسائل أصول الفقه، وإخضاعها إلى النقد والنظر، وهذا تشكيك بعلوم الإسلام وأحكامه.
وظنية الأحكام إنما كانت لبنائها على اجتهادات الفقهاء لا يمنع وجوب العمل بها، بل وقع الإجماع على ذلك، كما أنّ الأحكام بظنيّتها أقوى وأمتن من حكم مداره على الشّكّ إن كان هذا مقصداً أم لا.
7. يروم ابن عاشور من بحثه المقاصدي، بلوغ غاية كبرى تكون مقدمة وقاعدة لغيرها تتمثل في تحديد أصول جامعة لكليات الإسلام، إلا أنّها ليست الكليات التي قصدها الفقهاء أو الأصوليون لا القدامى ولا المتأخرون، (العقل والدين والنفس ... )، فنراه يحيد عنها، ويبتعد كلّ البعد، موضحاً أنّ المقصد الكلي من الاسلام هو (حفظ نظام الأمة)، معتبراً ما يحققه من الكليات للإسلام كحفظ الفطرة والحرية والسماحة.
ويرد عليه:
أ. أنّ التَّشريع بجملة أحكامه وتطبيقها كان حافظاً وعاصماً للأمة ونظامها، واستدامة ذلك الحفظ قائم ما دام المسلم قائماً بشرعه ودينه، محافظاً على كليات الإسلام التي اتفق عليها علماؤنا.
ب. أن علم المقاصد لا يقتصر على الغايات المرجوّة من الأحكام الشرعية، بل هو علم يجمع المعنى الرباني والوسائل الموصلة لها، وهو علم قديم بأصله، إلا أن مصطلح المقاصد شاع استخدامها عند المعاصرين، فكانت المقاصد تُراعى وينظر اليها عند الفقهاء السابقين، لكن ليست بنظرة المعاصرين.
ج. أن علم المقاصد ليس علماً مستقلاً بذاته عن الفروع والعلل، بل هو علم قائم عليهما لا يفهم إلا من خلال استقراء كامل للمسائل والفروع، موضحاً الفقيه الأوصاف والعلل؛ ليعلم المقصود منها من غيرها.
د. أنّ الدِّينَ لا يُبنى على مقاصده، فهي أغلبية لا كلية، فمنها أحكام تعبدية خفي المقصد منها، فكانت مقصودة بذاتها، فلما غاب المقصد عن أحدها أصبحت لا تصلح للبناء.
د. أنّ المذاهبَ الفقهيّة الأربعة بعلمها وعلمائها، المرجع الوحيد للمسلمين من أهل السنة والجماعة؛ لما لاقته من قبول وانتشار عبر الأزمان، فهم من بدؤوا السَّير العلمي المنهجي الصحيح، فنسير على خطاهم ولا نخرج عن طريقهم، وكلُّ جديدٍ لم نجده صريحاً في كتب الفقه، فإنّه يبنى على قواعدهم وأصولهم بما يتناسب مع زماننا.
هـ. أنّ المساسَ بالمذاهب الفقهية وأصحابها، إنّما هو مساسٌ بالدِّين؛ لأنّ الدِّين ما وصلنا إلا منهم، لا يكون منا إلا كل التكريم والتقدير، ونجعل مَن يخرج عنهم يخرج من دائرة الفقه والتحاكم.
وطُبع هذا البحث في آخر كتاب «إسعاد المفتي على شرح عقود رسم المفتي»، من أجل تدريسه في مرحلة البكالوريوس في كلية الفقه الحنفي.
وفي مرحلةِ الماجستير يوجد مساقٌ خاصٌّ بالمقاصد الشرعية، مما اقتضى أن نتوسَّعَ في الطَّرح فيما يتعلَّق بالمقاصد، بما يفي الغرض ويحقِّق المقصود، كما ظهر عند تدريس المادة، حيث طُرحت أفكار متعددة، وبدت أمور مختلفة، فكان لا بدّ من تقييدها لضبطها وفهمها.
فاستعنتُ بالله - عز وجل - للإعانةِ في تسهيل الأمر وتيسيره؛ للكتابة في الموضوع بما يُغني ويُشفي؛ لأنّ موضوعَ المقاصد غريبٌ في طرحه المعاصر عمّا عهدناه في كتب فقهائنا، والكلام فيه متباين تماماً بين المعاصرين والسَّابقين.
بل إنّه بهذه الكيفية غير معروف أبداً عند أئمتنا، ويكاد أن يكون أوَّل مَن عرضه بهذه الصورة هو الطَّاهر ابنُ عاشور (¬1)، ثمّ توالت الكتابات فيه بعده بما لا يحصى.
¬__________
(¬1) مآخذ على مقاصد ابن عاشور كتبتها الباحثة النجيبة ميساء الأمير:
إن البحث في علم المقاصد الإسلامية عند ابن عاشور متصل اتصالاً وثيقاً ببحث آخر له خطورة بالغة، وهو البحثُ في النِّظام الاجتماع الإسلامي، أو ما يُعرف بنظام الأمّة الاجتماعي.
ويرى ابن عاشور أن المشتغل بهذا البحث أحوج إلى قواعد أوسع من قواعد أهل أصول الفقه، فقرَّر أن يصحب معه علم المقاصد ظناً منه أنّه نجاةٌ للأمة وحفاظاً عليها من التَّشتت والضَّياع، إلا أنّه لم يصب، بل حاد وابتعد، وقمتُ بدراسة سريعة لكتابه: «مقاصد الشَّريعة الإسلامية»، مبيِّناً بعض المآخذ عليها، وجعلتها على محورين:
المحورالأول: التَّاريخ والمقاصد عند ابن عاشور:
1.رؤية ابن عاشور في المقاصد رؤية إصلاحية أدخلها في كلّ العلوم الإصلاحية والاجتماعية والدينية، مما جعلها رؤية عامّة عارية عن الفكر العميق والمنهج الدقيق بالبحث والتحقيق، فاعتراها الضعف والوهن، فعري البعد الديني من المقصد عنده.
2.الفكر المقاصدي عند ابن عاشور وليد الاستبداد والظلم الواقع على بلاده، فكان يجد الملاذ والحلّ لإنهاء أزمة البلاد فيها، وهذا متمثل بقوله: «والمقصد من الكون والتشريع ـ الحرية والفطرة والمساواة ـ، فكانت المقاصد تلك من الطُّرق المتاحة أمامه حينذاك.
3.تأثر ابن عاشور بالفكر التاريخي الغربي وخصوصاً الفرنسي، وبالكتب التّاريخية واللغة ومشى على خطاها، فلم ينقل عن علماء المذاهب، بل درس كتاب «المقدمة» لابن خلدون والنظام
للشيخ محمد جعيط وأمثالهم من علماء التاريخ، فمشى على خطاهم بالفكر والتَّفكير.
ويرد عليه: أنّ علم المقاصد الشَّرعيّة علم دينيّ بحت، يتناول مقاصد الشّارع من الأحكام الشرعية، شاملاً معها الوسائل إليها، وهذا العلم تدارسه أهل الاختصاص من أصحاب المذاهب، ومَن بعدهم ممَّن تبعهم، وقد بذلوا قصارى جهدهم لخدمة هذا الدين وبيان مقاصده وإن لم تكن كلمة المقاصد موجودةً بلفظها، إلا أنّها كانت تُراعى بعللها وفروعها، فعلى مَن يريد إخراجها أن يرجع لكلام الفقهاء.
المحور الثاني: الفقه ونظرية المقاصد عند ابن عاشور:
1.علم المقاصد عند ابن عاشور ما هو إلا بديل عن قصور الأمة وتراجعها؛ لاتباعها ما كان عليه الأقدمون من العلماء، قاصداً أئمتنا أصحاب المذاهب، فيعلق في كتابه المقاصد: «وأصبحنا نتابع ما وجدناه غير شاعرين ألحسن اتبعناه أم لقبح نبذناه»، وهذا محل نظر.
2.لم ينظر ابنُ عاشور إلى التَّغيرات الدِّينية المتمثلة بتبدل الأعراف عند إنشاء علمه المقاصدي، بل جعله منسوباً إلى التَّغيرات الحاصلة في الأوضاع الاجتماعية والحضارية التي تتبدل وتتغير بتبدل الأزمان والأشخاص، وجعلها الحاكم بعلمه والمرجع بذلك.
ويرد عليه: أنه لم تكن مقاصده علماً راسخاً وثابتاً يُركن إليه، بل متقلباً بتقلب الأوضاع والبلاد، بخلاف الأعراف، فإن لها ضوابطها التي يحتكم اليها، وهي معتبرة بإجماع الفقهاء.
3. رؤية ابن عاشور أن علم المقاصد، يوجد المذاهب الفقهية، ويقلل الخلاف، معللاً أنّ بناء الأحكام على مقاصدها أقرب وأصوب من بنائها على الأوصاف والعلل، ويحتجّ أنّ الخلاف القائم بين المذاهب جعل التآليف مختلطة، والتَّعليم نحوها، فتوارثت العقول ذلك الاختلال واعتادت التشتت.
ويرد عليه: أنّ خلافات الفقهاء الأجلاء رحمة بالأمة، وتيسيرٌ للعمل وتطبيقٌ للأحكام، وقبول لقول الآخر، وإيجاد حلول متنوعةً لقضايا الأفراد والجماعات، وإيجاد ثروة فقهية علمية لا مثيل له، فالاختلاف من أعظم أسرار هذا التَّشريع ومرونته وقابليته للاستمرار.
4.جعل ابنُ عاشور في علمه المقاصدي أنّ طريقَه الاجتهاد المطلق والاستنباط من القرآن والسُّنة، فيكون ما يستبنطه بهذه المقاصد أساساً للتَّخريج، وبناء الأحكام الشَّرعية؛ لتكون نبراساً للمتفقهين في الدِّين، ومرجعاً بينهم عند اختلاف الأنظار، وتبدل الأمصار.
ويرد عليه: أنّ هذا لا يستقيم ولا تقبله الأذهان السَّليمة؛ لعدم استقامة الأفهام وتبدّلها
وتناقضها لاختلاف الأشخاص، وبهذا يكون للنَّصِّ الواحد مقاصد بعدد الفاهمين كلّ بعلمه لا يستطيع أحدٌ أن يُنكر على غيره، ولا يستقل برأيه، وهذا يدخلنا بحلقة مفرغة لا نكاد نخرج منها بحكم شرعي على اليقين.
5.جعل ابنُ عاشور الحلّ الأمثل للحوادث والنَّوازل والمصالح الطارئة العلم المقاصدي، وكأنّما كان تأليفه للمقاصد استجابةً وتلبيةً للواقع ومستجداته، متجاوزاً بهذا الاختلافات في المسائل الشَّرعية وشذرات العلل فيها.
ونقل عن محمد جعيط المالكي، وقد أصدر كتابه قبل ابن عاشور مصرحاً: «ذلك أني لم أعثر في هذه الثروة العلمية، مع غزارة مادتها، وكثرة أنواعها، ووفرة عددها، على ديوان يجمع في مطاويه المقاصد الشرعية، ويفصح عن أسرار التشريع».
ويرد عليه: كيف لنا ونحن نملك العلم الوفير من قواعد وتأصيلات اجتهدها أئمتنا، مستخلصة من الفروع والمسائل، والبحث بالأوصاف والعلل والقياس وغيره، أن لا نجد حلاً للنَّوازل وأمثالها، بل كانت هي التَّرتيب على ما سبقها من المسائل؛ لوجود التَّرتيب والتّهذيب الذي بين أيدينا للقواعد والأصول، فيكون الأمر بالترتيب لا التنقيب.
6.يعلق ابن عاشور على الفقه وأصوله والعمل بمسائله: أنه علمٌ ظنيٌّ لا يكاد يصل إلى القطع في فهم المسائل الشرعية ومسالك الاستدلال عليها، بل إنّ معظم مسائل الدين كما يُقرِّر في كتابه المقاصد لا ترجع الى حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع.
ويرد عليه: أن هذا دعوة صريحة وقوية إلى مراجعة مسائل أصول الفقه، وإخضاعها إلى النقد والنظر، وهذا تشكيك بعلوم الإسلام وأحكامه.
وظنية الأحكام إنما كانت لبنائها على اجتهادات الفقهاء لا يمنع وجوب العمل بها، بل وقع الإجماع على ذلك، كما أنّ الأحكام بظنيّتها أقوى وأمتن من حكم مداره على الشّكّ إن كان هذا مقصداً أم لا.
7. يروم ابن عاشور من بحثه المقاصدي، بلوغ غاية كبرى تكون مقدمة وقاعدة لغيرها تتمثل في تحديد أصول جامعة لكليات الإسلام، إلا أنّها ليست الكليات التي قصدها الفقهاء أو الأصوليون لا القدامى ولا المتأخرون، (العقل والدين والنفس ... )، فنراه يحيد عنها، ويبتعد كلّ البعد، موضحاً أنّ المقصد الكلي من الاسلام هو (حفظ نظام الأمة)، معتبراً ما يحققه من الكليات للإسلام كحفظ الفطرة والحرية والسماحة.
ويرد عليه:
أ. أنّ التَّشريع بجملة أحكامه وتطبيقها كان حافظاً وعاصماً للأمة ونظامها، واستدامة ذلك الحفظ قائم ما دام المسلم قائماً بشرعه ودينه، محافظاً على كليات الإسلام التي اتفق عليها علماؤنا.
ب. أن علم المقاصد لا يقتصر على الغايات المرجوّة من الأحكام الشرعية، بل هو علم يجمع المعنى الرباني والوسائل الموصلة لها، وهو علم قديم بأصله، إلا أن مصطلح المقاصد شاع استخدامها عند المعاصرين، فكانت المقاصد تُراعى وينظر اليها عند الفقهاء السابقين، لكن ليست بنظرة المعاصرين.
ج. أن علم المقاصد ليس علماً مستقلاً بذاته عن الفروع والعلل، بل هو علم قائم عليهما لا يفهم إلا من خلال استقراء كامل للمسائل والفروع، موضحاً الفقيه الأوصاف والعلل؛ ليعلم المقصود منها من غيرها.
د. أنّ الدِّينَ لا يُبنى على مقاصده، فهي أغلبية لا كلية، فمنها أحكام تعبدية خفي المقصد منها، فكانت مقصودة بذاتها، فلما غاب المقصد عن أحدها أصبحت لا تصلح للبناء.
د. أنّ المذاهبَ الفقهيّة الأربعة بعلمها وعلمائها، المرجع الوحيد للمسلمين من أهل السنة والجماعة؛ لما لاقته من قبول وانتشار عبر الأزمان، فهم من بدؤوا السَّير العلمي المنهجي الصحيح، فنسير على خطاهم ولا نخرج عن طريقهم، وكلُّ جديدٍ لم نجده صريحاً في كتب الفقه، فإنّه يبنى على قواعدهم وأصولهم بما يتناسب مع زماننا.
هـ. أنّ المساسَ بالمذاهب الفقهية وأصحابها، إنّما هو مساسٌ بالدِّين؛ لأنّ الدِّين ما وصلنا إلا منهم، لا يكون منا إلا كل التكريم والتقدير، ونجعل مَن يخرج عنهم يخرج من دائرة الفقه والتحاكم.