الفرقان لاختصار منافل العرفان في علوم القرآن - صلاح أبو الحاج
المبحث الخامس عشر في محكم القرآن ومتشابهه
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، ويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث: من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعا، يعني بالمغفرة والرحمة، وهكذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث. قالوا: إنما معناه يقول: إذا تقرب إلي العبد بطاعتي وبما أمرت تسارع إليه مغفرتي ورحمتي» (¬1).
3.مذهب المتوسطين، واختاره ابن دقيق العيد، إذا كان التأويل قريباً من لسان العرب لم يُنكر أو بعيداً توقفنا عنه، وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد مع التنزيه، وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرها مفهوماً من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف، كما في قوله تعالى {يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر:56]، فنحمله على حق الله وما يجب له.
ولنطبق هذه المذاهب على قوله - عز وجل -: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه:5]:
فنقول يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش، وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل؛ لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيءٍ منه سواء أكان مكاناً يحلّ فيه أم غيره، وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعاً؛ لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه، وأثبت لنفسه الغنى عنهم، فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، وقال: {هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)} [الحديد:24]، فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضاً.
ثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم فرأى السلف: أن يفوضوا تعيين معنى الاستواء إلى الله هو أعلم بما نسبه إلى نفسه وأعلم بما يليق به، ولا دليل عندهم على هذا التعيين.
ورأى الخلف: أن يؤولوا لأنه يبعد كلّ البعد أن يخاطب الله عباده بما لا يفهمون وما دام ميدان اللغة متسعاً للتأويل، وجب التأويل بيد أنهم افترقوا في هذا التأويل
¬__________
(¬1) سنن الترمذي (3603)، باب: في حسن الظن بالله.
3.مذهب المتوسطين، واختاره ابن دقيق العيد، إذا كان التأويل قريباً من لسان العرب لم يُنكر أو بعيداً توقفنا عنه، وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد مع التنزيه، وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرها مفهوماً من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف، كما في قوله تعالى {يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر:56]، فنحمله على حق الله وما يجب له.
ولنطبق هذه المذاهب على قوله - عز وجل -: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه:5]:
فنقول يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش، وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل؛ لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيءٍ منه سواء أكان مكاناً يحلّ فيه أم غيره، وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعاً؛ لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه، وأثبت لنفسه الغنى عنهم، فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، وقال: {هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)} [الحديد:24]، فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضاً.
ثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم فرأى السلف: أن يفوضوا تعيين معنى الاستواء إلى الله هو أعلم بما نسبه إلى نفسه وأعلم بما يليق به، ولا دليل عندهم على هذا التعيين.
ورأى الخلف: أن يؤولوا لأنه يبعد كلّ البعد أن يخاطب الله عباده بما لا يفهمون وما دام ميدان اللغة متسعاً للتأويل، وجب التأويل بيد أنهم افترقوا في هذا التأويل
¬__________
(¬1) سنن الترمذي (3603)، باب: في حسن الظن بالله.