الفرقان لاختصار منافل العرفان في علوم القرآن - صلاح أبو الحاج
المبحث الثامن في جمع القرآن وتاريخه
* ثالثاً: جمع القرآن على عهد أبي بكر - رضي الله عنه -:
دارت رحى الحرب بين المسلمين وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب، وكانت معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير من قراء الصحابة وحفظتهم للقرآن، وينتهي عددهم إلى السبعين في اليمامة، وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة من أجلهم سالم مولى أبي حذيفة.
ولقد هال ذلك المسلمين وعز الأمر على عمر - رضي الله عنه - فدخل على أبي بكر - رضي الله عنه - وأخبره الخبر، واقترح عليه أن يجمع القرآن خشية الضياع بموت الحفاظ وقتل القراء،
فتردد أبو بكر أول الأمر؛ لأنه كان وقّافاً عند حدود ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخاف أن يجره التجديد إلى التبديل أو يسوقه الإنشاء والاختراع إلى الوقوع في مهاوي الخروج والابتداع، ولكنه بعد مفاوضة بينه وبين عمر - رضي الله عنه - تجلى له وجه المصلحة، فاقتنع بصواب الفكرة، وشرح الله لها صدره، وعلم أن ذلك الجمع الذي يشير به عمر - رضي الله عنه - ما هو إلا وسيلة من أعظم الوسائل النافعة إلى حفظ الكتاب الشريف والمحافظة عليه من الضياع والتحريف، وأنه ليس من محدثات الأمور الخارجة، ولا من البدع والإضافات الفاسقة.
وعرض أبو بكر - رضي الله عنه - على زيد - رضي الله عنه - الفكرة ورغب إليه أن يقوم بتنفيذها، فتردد زيد - رضي الله عنه - أول الأمر، ولكن أبا بكر - رضي الله عنه - ما زال به يعالج شكوكه، ويبين له وجه المصلحة حتى اطمأن، واقتنع بصواب ما ندب إليه، وشرع يجمع وأبو بكر وعمر وكبار الصحابة - رضي الله عنهم - يشرفون عليه، ويعاونونه في هذا المشروع الجلل حتى تم لهم ما أرادوا.
فعن زيد - رضي الله عنه - قال: «أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة: أي عقب استشهاد القراء السبعين في واقعة اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد أستحر: أي اشتد يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثيرٌ من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع
دارت رحى الحرب بين المسلمين وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب، وكانت معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير من قراء الصحابة وحفظتهم للقرآن، وينتهي عددهم إلى السبعين في اليمامة، وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة من أجلهم سالم مولى أبي حذيفة.
ولقد هال ذلك المسلمين وعز الأمر على عمر - رضي الله عنه - فدخل على أبي بكر - رضي الله عنه - وأخبره الخبر، واقترح عليه أن يجمع القرآن خشية الضياع بموت الحفاظ وقتل القراء،
فتردد أبو بكر أول الأمر؛ لأنه كان وقّافاً عند حدود ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخاف أن يجره التجديد إلى التبديل أو يسوقه الإنشاء والاختراع إلى الوقوع في مهاوي الخروج والابتداع، ولكنه بعد مفاوضة بينه وبين عمر - رضي الله عنه - تجلى له وجه المصلحة، فاقتنع بصواب الفكرة، وشرح الله لها صدره، وعلم أن ذلك الجمع الذي يشير به عمر - رضي الله عنه - ما هو إلا وسيلة من أعظم الوسائل النافعة إلى حفظ الكتاب الشريف والمحافظة عليه من الضياع والتحريف، وأنه ليس من محدثات الأمور الخارجة، ولا من البدع والإضافات الفاسقة.
وعرض أبو بكر - رضي الله عنه - على زيد - رضي الله عنه - الفكرة ورغب إليه أن يقوم بتنفيذها، فتردد زيد - رضي الله عنه - أول الأمر، ولكن أبا بكر - رضي الله عنه - ما زال به يعالج شكوكه، ويبين له وجه المصلحة حتى اطمأن، واقتنع بصواب ما ندب إليه، وشرع يجمع وأبو بكر وعمر وكبار الصحابة - رضي الله عنهم - يشرفون عليه، ويعاونونه في هذا المشروع الجلل حتى تم لهم ما أرادوا.
فعن زيد - رضي الله عنه - قال: «أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة: أي عقب استشهاد القراء السبعين في واقعة اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد أستحر: أي اشتد يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثيرٌ من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع