اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

نهاية المراد في شرح هدية ابن العماد

عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي
نهاية المراد في شرح هدية ابن العماد - عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي

نهاية المراد في شرح هدية ابن العماد

كَمَا قَالَ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ صَلَّى الله عليه وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خيرا يفقهه في الدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الاسم، وتارة يغلب هذا، بحيث تقل آثار أحدهما عند غلبة الآخر ولا تنقطع؛
هذا هو الحق الصريح في هذه المسألة الذي يجب الإيمان به.
قوله: كما قال سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين: (مَنْ يُرِدِ الله به خيرا يفقهه في الدين) (?)
أقول: أراد بإيراد هذا الحديث عقيب قوله: (وكان أهله» - بإرجاع الضمير إلى العلم الذي كان الاشتغال به من أشرف الفضائل -؛ الإشارة إلى أن المراد بذلك العلم علم الفقه في الدين، أي: الفهم فيه، كما أجاب أبو حنيفة رحمه الله تعالى حين سئل عن الفقه، فقال: (هو معرفة النفس ما لها وما عليها،. فكان جوابه بما هو شامل لعلم العقائد، وعلم كيفية الأعمال وهو معنى الفقه في الدين المذكور في هذا الحديث الشريف، فإن علم كيفية الأعمال الشرعية مقصد من جملة مقاصد الفقه في الدين، لا هو جميع الفقه في الدين، وإن خصه المتأخرون به لقصور أفهامهم عن علوم السلف الصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
والمراد بالدين؛ دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسل به إلينا من عند الله تعالى، فبلغنا إياه من غير زيادة ولا نقص، لأنه الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم، وقد وصل إلينا عنه صلى الله عليه وسلم بالنقل المتواتر الذي يُفيد علم اليقين، وهو ما رواه جماعة عن جماعة لا يمكن حصرهم ولا ضبطهم في زمان بعد زمان إلى يومنا هذا، ثم يبقى كذلك إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى، وقد تم هذا الدين وكمل، قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) [المائدة: 3].
وتفضلت مجملات أحكامه التي هي في الكتاب والسنة، تفصيلا ناشئاً من الإجماع فيما هو مجمع عليه بين المجتهدين الماضين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وتفصيلاً ناشئاً من كل مجتهد على حدة. فالأوَّلُ يُقال فيه: معلوم من الدين بالضرورة. والثاني يُقال فيه: الأحكام الاجتهادية المحتملة للصواب والخطأ.

لماذا انحصرت صحة التقليد بالمذاهب الأربعة؟]
وفي زماننا هذا قد انحصرت صحة التقليد في هذه المذاهب الأربعة، في الحكم المتفق عليه بينهم، وفي الحكم المختلف فيه أيضاً، لا باعتبار أن مذاهب غيرهم من السلف باطلة، وإنما باعتبار أن مذاهبهم وصلت إلينا بالنقل المتواتر على حسب ما تقدم في الدين، يرويها عنهم جماعة بعد جماعة في كل ساعة من زمانهم إلى زماننا هذا، لا يمكن عد الرواة ولا إحصاؤهم في أقطار الأرض، وتبينت لنا شروط مذاهبهم، وتفصلت مجملاتها، وتقيدت مطلقاتها بالنقل المتواتر أيضاً؛ بخلاف مذاهب غيرهم من السلف، فإنها نقلت إلينا بطريق الآحاد قطعاً، لأنه يمكن عد النقلة وإحصاؤهم في كل زمان، فلم يكن ذلك منقولاً إلينا نقلاً متواتراً، وأيضاً لم تتفصل مجملات مذاهبهم، ولا تقيدت مطلقاتها. فلو فرض أن حكماً من الأحكام نقل عن مذاهب السلف بطريق التواتر، يُحتمل أنه مجمل، لم يفصله ناقله، أو أن له قيداً أخل به ناقله، أو شرطاً يتوقف القول بصحته عليه عند ذلك المجتهد القائل به، فيكون العمل به باطلاً إجماعاً. فلهذا الأمر حصرنا صحة التقليد في اتباع المذاهب الأربعة لا غير، كما قال في (الأشباه والنظائر الفقهية، لابن نجيم الحنفي (1) رحمه الله تعالى، في الفن الأول: وما خالف الأئمة الأربعة يخالف الإجماع، وإن كان فيه خلاف لغيرهم؛ فَقَدْ صَرَّح في (التحرير»: أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب يخالف الأربعة، لانضباط مذاهبهم واشتهارها وكثرة أتباعها اهـ.
وقال المناوي في شرح (الجامع الصغير) (?): ولا يجوز اليوم تقليد غير الأئمة الأربعة في قضاء ولا إفتاء، لا لنقص في مقام أحد من الصحب، ولا لتفضيل أحد الأربعة على أولئك؛ بل لعدم تدوين مذاهب الأولين وضبطها، واجتماع شروطها. اهـ.
وأما إذا وجد مجتهد في هذا الزمان، أو في زمان مستقبل إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى، وتوفرت فيه شروط الاجتهاد التي ذكرها علماء الأصول، ولم يخالف في اجتهاده حكماً مجمعاً على قول واحد فيه، أو على قولين، أو أكثر، وثبت ذلك عند أحد؛ فلا مانع من صحة تقليده فيما يستنبطه من الأحكام التي لا تخالف القول الواحد المجمع عليه، أو القولين، أو الثلاثة المجمع عليها من حيث عدم التكلم بغيرها. فقد انحصر الاجتهاد في هذا الزمان بشروطه في مسألة لم يتعرض لها المجتهدون، لا بإجماع ولا خلاف؛ لأن الاجتهاد في المجمع عليه بقول يخالف، أو فيما اختلفوا فيه على أقوال محصورة، بزيادة قول آخر باطل لا يسوغ لأحد في الدين كما صرح بذلك علماء الأصول. وربما يأتي لهذا المبحث زيادة تحقيق عند تعرض المصنف له إن شاء الله تعالى.

فائدة: قال في «الأشباه والنظائر لابن نجيم في أواخر الفن الثالث: كل إنسان غير الأنبياء عليهم السلام لم يعلم ما أراد الله تعالى له وبه، لأن إرادته تعالى غيب عنا إلا الفقهاء، فإنَّهم عَلِمُوا إرادته تعالى بهم، بخبر الصادق المصدوق بقوله صلى
المجلد
العرض
4%
تسللي / 330